صدى الأفكار

17/12/2009

من الفيزياء الى العواطف و بالعكس – 4

فى التدوينات الثلاث السابقة صار لدينا نموذج يربط بين طاقة الشد المخزنة في لولب معدني مع مقدار التوتر الذي يمكن أن ينشأ عن انحسار الفسحة المكانية أو الزمنية المتاحة، فإنه بالإمكان الآن أن نستخدم ما سبق في تفسير كيفية ربط المفاهيم الفيزيائية مع شأن لم يكن له – فيما يبدو – صلة أو قرابة مع الفيزياء.

وحدة قياس الوقت:

من المعتاد أن نعبر عن الأعمال التي ننجزها بمقدار ما تستنفذه من وقت، يقول قائل مثلا أنه استنفذ ربع ساعة لكي يستبدل إطار سيارته أو ثلاثة ساعات لكي ينتهي من إكمال عمل كتابي ما   الخ. كل الأعمال أو المهام التي ننجزها هامة بالنسبة لنا وهي تدر علينا منفعة ما بصورة من الصور. أود هنا أن نحدث تحويرا بسيطا خلاف المعتاد، فبدلا من أن نعبر عما ننجزه بمقدار ما يستنفذ من وقت، اقترح هنا أن نعبر عن الوقت بمقدار ما ننجزه فيه.

التعبير عن الوقت بمقدار ما ينجز فيه :

الإسهام أو القيمة التي يمكن للفرد أن يضيفها خلال حياته كلها وعلي مدي العمر الذي يتعشم أن يعيشه؛ قد يكون ذلك الإسهام و تلك القيمة ضمن الاهتمامات البعيدة – ليس المباشرة – للكثير من الناس، إلا أن بؤرة اهتمامهم تكون– في المتوسط – مركزة أكثر علي ما يبغون إنجازه علي مدى زمني أقصر من ذلك بكثير.

و بسبب محدودية طاقة المعالج الذهني للإنسان (الدماغ)، والتي تملي إبقائه تحت إعادة شحن (النوم) لمدة 5-8 ساعات بعد كل 16 ساعة من اليقظة تقريبا، فإن هذه الدورة من اليقظة و النوم لإعادة الشحن؛ تتكرر كل 24 ساعة أي كل يوم تقريبا. لذلك سنعتبر اليوم الواحد هو الوحدة الزمنية للوقت وننظر في ما يبتغي الناس إنجازه خلال يوم واحد من أعمارهم بدلا من النظر فيما يتعشمون تحقيقه خلال حياتهم كلها.

معدل الإنجاز أو الإسهام الفردي في الوحدة الزمنية التي اخترناها هنا – اليوم الواحد – يصلح قياسا لقيمة الوحدة الزمنية لفرد ما، وهو و إن استعصي على قياس كمي عام إلا أن لكل فرد تقديراته الخاصة لذلك بما يمكنه من مقارنة القيمة التي قدرها من عنده للوحدة الزمنية مع القيمة الفعلية لها.

تتمثل القيمة التي يقدرها الفرد للوحدة الزمنية في ما يعتقد انه قادر نظريا علي إضافته من قيمة أي ما يعتقد أنه قادر علي إنجازه خلال تلك الوحدة الزمنية المتمثلة في يوم واحد. بينما تتمثل القيمة الفعلية لتلك الوحدة الزمنية (اليوم الواحد) ؛ في ما يضيفه أو ينجزه فعليا.

تقدير قيمة الوحدة الزمنية، كيف يتحدد ومن الذي يضعه:

لأن الفرد الراشد – يدرك في المتوسط – مدي قدراته الذاتية والإمكانيات المتاحة له، بذلك فإن لديه فكرة عن مقدار القيمة التي باستطاعته أن يضيفها إذا ما استخدم تلك القدرات والإمكانيات الاستخدام الأمثل.المعدل الزمني لتلك الإضافة يمثل القيمة المثلي للوحدة الزمنية بالنسبة له.

إذا لم يتمكن لسبب ما من أن يستخدم كامل قدراته أو أنه لم يتمكن من استخدامها الاستخدام الأمثل فإن القيمة الفعلية للوحدة الزمنية ستكون أقل من القيمة المثلي.

نسبة القيمة الفعلية للوحدة الزمنية إلي القيمة المثلي للوحدة الزمنية تعبر عن معامل كفاءة استخدامه لقدراته والإمكانيات المتاحة له وتمثل أيضا معامل كفاءة استخدام الوقت لدى ذلك الفرد.

الانخفاض في معامل كفاءة استخدام الوقت أو في معامل كفاءة استخدام الفرد لإمكانياته و قدراته؛ هو بمثابة انحسار أو تقلص في الوقت. لذلك فإن له نفس مفعول تقلص الفسحة الزمنية وبالتالي فهو يؤدي إلي تخزين طاقة (شد / توتر) انفعالية كما لو أنه انحسارا أو تقلصا في المسافة الآمنة.

وحيث أن كلا من معامل كفاء استخدام الوقت أو معامل كفاءة استخدام المرء لقدراته وإمكانياته، يتمثلان في نسبة القيمة الفعلية للوحدة الزمنية إلي القيمة التقديرية المثلي؛ فإن صغر تلك النسبة يعني تقلصا أكبر في الفسحة الزمنية والعكس صحيح. 

إذا كانت – تلك النسبة – تساوي واحد صحيح، فمعني ذلك أن القيمة الفعلية للوحدة الزمنية تساوي القيمة التقديرية المثلى. علي ذلك نقول أن الطاقة الانفعالية المتولدة و المحتبسة تتناسب عكسيا هذه المرة – وليس طرديا – مع نسبة القيمة الفعلية للوحدة الزمنية إلي القيمة التقديرية المثلي.

لهذا سنحسب تقلص الفسحة الزمنية علي أساس نسبة القيمة التقديرية للوحدة الزمنية إلى قيمتها الفعلية  وهو ما أنجز فيها فعليا. أي نسبة القيمة الفعلية للوحدة الزمنية إلي القيمة المثلي وهي كما سبق أن أشرنا، نسبة القيمة التي يقدرها الفرد لما يستهدف إنجازه خلال يوم واحد إلي القيمة الفعلية لما أنجزه فعلا خلال ذلك اليوم.

و نلاحظ هنا أيضا مماثلة مع ما يحدث عندما تقلص المسافة الآمنة، فنجد أنه كلما انخفضت نسبة القيمة الفعلية للوحدة الزمنية إلي القيمة المثلي؛ كلما زادت كمية الطاقة الانفعالية المحتبسة وكلما أدي ذلك إلي زيادة الطاقة الانفعالية المحتبسة نتيجة لزيادة الشد والتوتر.

إذا لم يكن هناك مناص من انخفاض معامل كفاءة استخدام الوقت (أو انخفاض معامل كفاءة استخدام القدرات ) الذين هما صورة لانحسار وتقلص الفسحة الزمنية؛ فالنتيجة هي أن نسبة القيمة الفعلية للوحدة الزمنية إلي القيمة التقديرية المثلي ستنخفض لأن ما كان من الممكن تحقيقه في الفسحة الزمنية المقررة سوف لن يتحقق مثلما كان صاحبنا – في المسافة الآمنة – ينوي  التحرك و لكنه لم يستطع .

الحاسبة الذاتية:

انخفاض معامل كفاءة استخدام الوقت و هو بالمفهوم الاقتصادي فرصة ضائعة ويمثل تكلفة هو أيضا – بعبارة أخري – فاقد قيمة كانت هناك إمكانية لإضافتها.

ولأننا نريد ربط تلك القيمة المضافة بالفرد الذي أضافها سنستخدم كلمة “إسهام” بدلا من كلمة “قيمة مضافة” فنقول أن انخفاض معامل كفاءة استخدام الوقت هو بمثابة فاقد إسهام أو هو قيمة مضافة سالبة.

لقد قلنا أن الفرد لديه فكرة عن مقدار القيمة التي باستطاعته أن يضيفها أو مقدار الإسهام الذي يستطيع أن يسهم به غير أن امتلاكه للقدرات أو الإمكانيات لا يعطيه خيار أن ينفيها أو يلغيها فهو إما أن يضيفها أو يحجبها. إذا أضافها أصبحت إسهاما موجبا و إذا حجبها أصبحت إسهاما سالبا ولا يملك أن يكون محايدا فليس هناك إسهام بقيمة صفر.

امتلاك القدرات، يضع علي من امتلكها – أو وهبت أو سخرت له أو أودعت فيه – مسؤولية استخدامها. و بتعبير فقهي فإن التكليف يرتبط بـ (الحِمل) أو القبول ” …فحملها الإنسان” و إذ حصل التكليف فقد بطل الحياد.

إذا ما تقلصت فسحة الوقت بحيث حالت دون إضافة ما كان ينبغي أن يضاف فإن مقدار القيمة الذي كان ينبغي أن يضاف والذي حال تقلص الفسحة الزمنية دون إضافته؛ سيخزن  في صورة قيمة مضافة (كامنة) أو هي تمثل إسهام سالب. بعبارة أخري يمكن القول أن ذلك الإسهام الذي كان يتوجب تقديمه والذي لم يقدم بالفعل يصبح بمثابة دين واجب السداد في ذمة الفرد الذي كان – وفق تقديره الشخصي لإمكانياته – قادرا عل تقديمه.

علي ذلك يصح الافتراض بوجود حاسبة – آلة رقابة ذاتية – داخل الفرد نفسه، فحالما تتكون لديه فكرة عن قدراته يكون في ذات الوقت قد بدأ تشغيل آلة الرقابة الذاتية.

تحوُّل الشد والتوتر المتراكم إلي تأثيرات عضوية:

عندما لا يكون هناك مناص من تقلص الفسحة الزمنية  و يستمر ذلك لفترة من الزمن فإن الشد والتوتر الناتج سيأخذ في التراكم حتى إذا ما تجاوز عتبة أو حدا معينا، تحول أثره تحولا نوعيا فلا يعود مجرد توتر أو شدّ عارض بل يترسخ في شكل اختلال عضوي.

و إذ نعلم أنه لكي تظل المنظومة البدنية والذهنية للفرد عاملة بكامل قدراتها – بدون إسهام سالب أو دين – فإن ذلك يفترض ضمنا عدم تعرضها للاختلال. عدم الاختلال هذا يعنى تحقيق توازن ما.

تكون فرصة المنظومة البدنية والذهنية أفضل ما يمكن عندما تتمكن تلك المنظومة من الوصول إلي أعلي مستوي توازن ممكن و الاحتفاظ به، أي عندما تكون طاقة الشد والتوتر المحتبسة في حدود معينة و لفترات غير طويلة فتظل دون ألعتبه أو الحد الذي تتحول بعده إلي اختلال عضوي. دون تلك العتبة و ذلك الحد فإن طاقة الشد والتوتر المحتبسة تفعل فعلها الإيجابي المحفز في شحذ القدرات والإمكانيات واستنفارها و ليس فعلها السلبي في استنزاف و إجهاد تلك القدرات.

أما عند تجاوز ذلك الحد من التوتر والشد المتراكم، فإن جزءا من قدرات المنظومة البدنية والذهنية سوف يستنزف – تحت وطأة الإجهاد – في معالجة الشد و التوتر الناتج أو محاولة تحييده أو منعه من التراكم.

عند تجاوز ذلك الحد؛ يصبح البديل الوحيد لاستعادة التوازن – أو تقليل الألم الناتج عن تراكم طاقة التوتر الانفعالية المحتبسة – هو إعادة النظر في تقدير قيمة الوحدة الزمنية و تخفيضها فكيف يتم ذلك؟

تخفيض قيمة الوحدة الزمنية:

سبق أن أشرنا أن الفرد الراشد – لديه في المتوسط – تقدير لمدي قدراته وإمكانياته الذاتية والمتاحة، و لديه فكرة عن مقدار القيمة التي باستطاعته أن يضيفها إذا ما استخدم تلك القدرات والإمكانيات الاستخدام الأمثل، و أنه يؤسس – بناء علي ذلك – تقديرا لقيمة الوحدة الزمنية.

وحيث أن الفرد هو الذي يضع ذلك التقدير بنفسه إذن فإن بإمكانه تغييره وتعديله بالخفض أو بالزيادة.

إذا ما عدل المرء تقديره لقيمة الوحدة الزمنية و خفّضها إلي قيمة اقل من تقديره السابق، عندئذ لن تكون القيمة الفعلية للوحدة الزمنية بعيدة عن قيمة الوحدة الزمنية المثلي كما كانت قبل التخفيض، و بذلك فإن النسبة الجديدة  للقيمة الفعلية للوحدة الزمنية إلي القيمة المثلي المخفضة للوحدة الزمنية، تصبح أكبر من السابق فلا ينشأ عنها تخزين طاقة شد وتوتر كبيرة الأمر الذي يُمكِّن المنظومة البدنية و الذهنية من الوصول إلي مستوى توازن إلا أنه سيكون مستوى توازن أدنى من السابق.

ثمن التخلص من التوتر المتراكم:

من الواضح أن ثمن التخلص من التوتر المتراكم – في هذه الحالة – إنما هو تخفيض تقدير الفرد لإمكانياته وقدراته أو هو إعادته النظر في نفسه و تقييمها بدرجة أو قيمة أقل من السابق فيصنف نفسه تصنيفا أقل و يرضى لنفسه مرتبة أقل. أي أن وصول المنظومة البدنية والذهنية للفرد إلي مستوي توازن، لا يعني استعادة مستوي التوازن السابق بل مستوي توازن جديد أدنى من السابق.

مدخرات قابلة (للتسبيل) إلي وقت:

تتمثل تلك المدخرات في كل الأشياء التي تراكمت لدي الفرد مكونة كيانه الذاتي أي هويته وشخصيته ونضجه و مفاهيمه وقيمه. الخلاصة أن انحسار الفسحة الزمنية يعوَّض بالسحب من تقدير قيمة الوحدة الزمنية أو بعبارة أخري فإن الوقت الضائع يعوض بالسحب من (مدخرات) الكيان الذاتي للفرد أي مجموع قيمه الشخصية و علي رأسها الاعتقاد الذي ترسخ لديه عن نفسه خلال تجاربه و نموه و نضجه. هنا يبدو كما لو أن تلك المدخرات المتمثلة في الكيان الذاتي هي قابلة (للتسبيل) إلى وقت.

مفهوم الأهداف و الآمال :

إذا ظل الفرد قادرا على رؤية أمل في المستقبل فإن مجاله الزمني الآمن لن يتقلص. و إذا أمكن تحويل الأمل المستقبلي إلي (هدف) باقترانه بخطوات إجرائية و أفعال تنفيذية الآن فإن ذلك سيؤمن توجيها و تصريفا للطاقة الانفعالية المحتبسة و تخفيضا للشد و التوتر المتراكم، فكأنه – بذلك – يمد الفسحة الزمنية. شخص واقع تحت تأثير ضياع الكثير من وقته و الإحساس بالشد الانفعالي الناتج عن تقلص فسحة الوقت الذي بقي لديه، فإن إعطائه أملا وهدفا سيعني ضمنا أنه ستتاح له كيفية لتصريف طاقة الشد المحتجزة والمخزنة – كطاقة انفعالية كامنة – في أفعال عملية تجاه ذلك الهدف أو الأمل. و عندما يكون هناك العديد من الأفراد في مثل تلك الحال؛ فإن كمية الطاقة المتاحة منهم جميعا ستكون كبيرة و ربما هائلة.

الطاقة و الكلمات والكيان الذاتي والوقت:

و قد ذكرنا الطاقة هنا و قلنا أن كميتها قد تكون هائلة وأنها تصبح متاحة بوجود الأمل والهدف؛ و كنا قد سمعنا أن الطاقة لا تفني ولا تستحدث من عدم، فإن الطاقة التي أشرنا لها في الفقرة السابقة و التي جاءت من مصدر ما داخل الأفراد أنفسهم؛ لم تنتج عن تزويدهم بمصدر مادي للطاقة كالطعام والشراب أو الوقود مثلا بل نتجت عن اتضاح للهدف وزرع للأمل في النفوس أو بتمكينهم ذهنيا و إدراكيا تمكينا يجعلهم هم يستعيدوا قدرتهم الذاتية علي رؤية أمل و تحديد هدف. إن كل ذلك يتم بالاتصال و بالكلمات، فهل تحتوي الكلمات على طاقة من نوع كنا استبعدناه فيما مضي.

فهل نجد مرة أن مفهومنا عن الطاقة في حاجة لتعديل ليستوعب إمكانية أن تكون الكلمات قابلة للتحويل إلي طاقة، و نجد مرة أخرى أن مفهومنا عن الوقت في حاجة لتعديل ليستوعب إمكانية أن يكون الكيان الذاتي قابل (للتسبيل) إلي وقت.

Advertisements

اكتب تعليقُا »

لا توجد تعليقات حتى الأن.

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.

%d مدونون معجبون بهذه: